‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكايات صغيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكايات صغيرة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 27 يونيو 2010

أنبياء الزيف.. من رشاد قاتل والده إلى مهدي الفيوم









(مهدي) الفيوم.. أعاد إلى الأذهان ملف (الأنبياء المزيفين):
(شعيشع) نبي يحتفي - و(منال) أم لراقصة - و(رشاد) قتل أباه - و(عمر) صادق الصحابة وصاحب عزرائيل


على مر التاريخ ظهر عدد من الأشخاص المجانين الذين ادعوا النبوة وزعموا أن الوحي اصطفاهم لكي يهدوا البشرية وينقذوها من الضلال، فقد ادعى عدد منهم إنه المهدي المنتظر، ومنذ أيام "مسيلمة الكذاب" ومرورا بـ "الشيخ" بريقع و"الدكتور شعيشع" الذي كان يقبل الرجال من أفواههم مرة، ويقبل النساء 20 مرة، والدكتور رشاد خليفة الذي ادعى كذبا في أمريكا أنه رسول الله، وقد عثر عليه مذبوحا في مطبخ منزله على يد أتباعه، وانتهاء بـ "الشيخة منال" التي قبضت عليها مباحث القاهرة وقد ادعت أن زوجها الميت أعفى مريديه من الصلاة، وإنه سخر من يحج عنهم، كل هؤلاء بعضهم قتل على يد أتباعه بعد أن اكتشفوا زيف ما يدعونه، وبعضهم تم القصاص منه، وفي معظم الأحوال تقوم الشرطة بواجبها فتقبض على هؤلاء المخبولين وتزج بهم في السجون أو مستشفيات المجانين حتى يعودوا إلى عقولهم.
وها نحن نعرض لقصة مهوس آخر، له واحدة من أعجب حكايات مدعي النبوة، فلم يكتف بالكذب والضلال فأتى الفواحش بعد أن تجرأ على كل ثوابت العقيدة، أما الأغرب فهو أن يكون الكاذب واتباعه من خريجي الجامعات وبعضهم يشغلون مناصب مرموقة.
الدكتور شعيشع
ولد صلاح شعيشع بمدينة الإسكندرية، في نوفمبر من العام 1922، وعاش حياة فقيرة قاسية، توفي والده وهو طفل، لكنه كافح وعمل حتى التحق بكلية الطب، قوي البنية، سليط اللسان، يميل إلى التندر والاستهزاء بالآخرين.
بعد أن تخرج صلاح من الجامعة عمل في عيادته الخاصة، مارس فيها العمل كطبيب باطني، ثم تحول إلى طب النساء والتوليد، وبعد مرور عدة سنوات، تخصص في عمليات الإجهاض، وأطلق عليه - وقتها - ملك الإجهاض، وبدأت فرصة الثراء تتسع أمامه، خلال هذه الفترة عن طريق سحق الأجنة بالإجهاض، استطاع أن يحفظ القرآن عن ظهر قلب، وعرف - في الوسط المحيط به - بأسلوبه المحبب في تفسيره، تزوج جارة له، وأنجب منها ولدا وبنتا.
أما نشاطه الديني، فقد بدأ في أوائل الستينيات بالصدفة البحتة، حيث اهتم بتحضير الأرواح، والالتقاء بمن يعملون مع الجان، ثم اتجه إلى الصوفية وأنشأ جماعة خاصة به.. راح - من خلالها - يدعو إلى طريقته ويروج لها.. لكن أنصاره انفضوا من حوله.
لم يكن يتردد على عيادة شعيشع سوى الراغبات في التخلص من الحمل الحلال أو الحرام، ولا عجب إنه كان يتحرش بهن مستغلاً ظروفهن، فمنهن من جاءت للتخلص من حمل حدث سفاحًا، حتى أصبح معرضا للشبهة كل من يحاول الاقتراب من عيادته، وكثيرا ما كانت تشكو السيدات من سلوكه اللا أخلاقي الذي يتعامل به معهن أثناء وجودهن للعلاج.
وفكر شعيشع في إقناع زوجته معتقدا أنها ستكون أول من يؤيد دعواه، وتسلم بأنه (نبي)، لكنها كذبته، بل حاولت إصلاح أفكاره، وإثناءه عما يدعي، ودنيا صلاح شعيشع لا تضم سوى الملوك والصعاليك، فالملك هو الشخص الذي آمن إيمانا مطلقا بأن شعيشع هو (النبي محمد)، ويرضخ - تماما - لكل أقواله وأفعاله، ويذعن لأوامره وطلباته، وهؤلاء في معظمهم ممن دخلوا في نطاق دعوته منذ البداية في العام 1960، ويزعمون - تبعا لتعاليمه - أنهم رأوا النبي محمدا - عليه الصلاة والسلام - في مناماتهم، وهم مبشرون بالجنة، كما بشر النبي العشرة الكرام.
أما الصعلوك، فهو من دخل الطريق لكنه لم يزل غير مقتنع بنبوة الشيخ صلاح، ويستمع إليه أكثر، حتى يؤمن به تماما، فيرقى إلى درجة الملوك، ويحتفل به جميع الأتباع في حفل يؤمه الشيخ.
والساحة التي يلتقي فيها شعيشع بأتباعه، عبارة عن حجرة فسيحة، تتوسطها أريكة وثيرة يجلس عليها الشيخ مرتديا جلبابه الأبيض، وأمامه يجلس حوالي ثلاثين شخصا ما بين رجل وامرأة، بعضهم في الصفوف الأولى على مقاعد مريحة - وهؤلاء هم الملوك - والبعض الآخر في الصفوف الخلفية يفترشون الأرض، وهم الصعاليك.
يدخل الرجل جلسة الخميس فيقبل يد شعيشع، ثم يسلمه شفتيه ليقبلها ثلاث مرات، أما النساء فلهن رعاية أكبر، وتفيض عليهن بركات شعيشع، فلا يقل نصيب الواحدة من المريدات عن ثلاث وعشرين قبلة في فمها، وأحيانا تتكثف البركة في قبلة واحدة طويلة، تمتد قرابة الثلاث دقائق، وحين يحملق المريدون لهذا المشهد المثير، يرد عليهم الشيخ بعد أن يفرغ من مريدته الملقاة بين ذراعيه وهو يبتسم: إنها القبلة المحمدية.
ولأن شعيشع شخصية غريبة ومثيرة، فهو من المؤمنين بالعلم الحديث، وبالتالي فقد سمح لأتباعه بأن يسجلوا بالصوت والصورة ما يدور في ساحتهم بأدق التفاصيل، ومن خلال مئات الصور التي سجلتها شرائط الفيديو يظهر الشيخ وهو في غرفة نومه: طويل القامة، أبيض البشرة، يميل وجهه إلى الاحمرار، ممتلئ قليلا.
ومن الطقوس التي تمارسها جماعة شعيشع عند زيارة أحد المريدين له، لابد أن يعلم - أولا - من القادم، وبعد الإذن له بالدخول يخلع الضيف حذاءه ويقف بالباب واضعا يديه فوق بطنه كمن يقف في صلاة، فيتمتم الشيخ بكلمات غير مسموعة، يقول بعدها: الله، فيرد الزائر: الله يا سيدي، ثم يتقدم نحوه، فإذا كان صعلوكا يقبل يده مرة وفمه ثلاث مرات، ثم قدمه اليمنى، وإذا كان ملكا يزيد على الصعلوك بتقبيل ظهر القدم اليسرى وبطنها، أما إذا كانت سيدة، فتقبل يد الشيخ بعدها يأخذها بين ذراعيه ليطبع على شفتيها ثلاثا وعشرين قبلة.
من الطقوس أيضا (وقت الأذكار) يقف المريدون خلف الشيخ صلاح الذي ينادي السيدة زينب أو سيدنا الحسين قائلا: الله.. فيردد الأتباع وراءه: الله.. الله، وتزداد سرعة الذكر، ليصبح ما يقولونه: آه.. آه.. آه.. اختصارا لجملة "أعوذ بالله"، ثم يدخل "الشيخ" إلى إحدى الغرف، مستضيفا السيدة زينب وسيدنا الحسين وسيدنا الحسن، وعلى حد قوله يطلب منهم الجلوس، ويتحدث معهم، لكن المريدين لا يسمعون ولا يرون شيئا، فهو - فقط - الذي يراهم ويسمعهم، لأنه الرسول، وصاحب الفتاوى الفاجرة، فكان يحض المريدين على عدم صلاة الجمعة، فقد أفتى لهم بأن كل من يصلي الجمعة "بهيم" لأن صلاة الجمعة لا تصلح إلا في دولة إسلامية، وحتى الآن لا توجد على الكرة الأرضية دولة إسلامية، يبقى ممنوع صلاة الجمعة، ويقول في "فتواه" عن الحج: "المعروف لعامة الناس، أن حضرة النبي مات ودفن في المدينة، وهذا ظاهر للجهلاء، أما خواص الناس - وهم أصحاب الطرق - فيعلمون أن النبي لم يمت، وأحباب حضرة النبي - اللي هم إحنا - عارفين إنه عاد في صورة الدكتور صلاح، طيب ما فائدة الحج وحضرة النبي موجود في جسد الشيخ بالإسكندرية؟!، الكلام ده واضح والملوك أسيادي رأوني في المنام، وقالوا إني سيدنا محمد، إذن بدل ما تروح تدور على محمد القديم، أنا قدامك أهو، اللي عايزين يزوروا حضرة النبي يقعدوا قدامي، الناس اللي بتروح تحج دول بيزوروا حديد"، وينهي حديثه متهكما: "قد إيه الناس مضللين!!".
ويواصل "شعيشع" فتاواه الفاجرة، فيقول عن الصلاة: "لو كل واحد يتذكر شيخه في قلبه ويبطل صلاة إلى يوم القيامة، فهو داخل الجنة بإذن الله وشعيشع، الناس تعيش في غباء مستحكم، الصلاة لا تقرب إلى الله، لكن الطريق إلى الله هو حب حضرة النبي حب حقيقي، حتى بدون صلاة أو صيام، هل سمعتم الحديث القائل: من أحب صلاح فهو من الجنة، ومن أحبه صلاح فهو منا؟، إن الجلوس مع الشيخ ساعة، أفضل من العبادة عشر سنوات، وبالنسبة للمعاصي فهي مشطوبة حتى قبل أن نرتكبها هدف الشيطان أن يغوي البشر، أليس كذلك؟، (همهمات بالموافقة) حتى الأنبياء جعلهم الله يخطئون ليريهم البرهان، لكي لا يخطئوا، وهذا يغيظ الشيطان، لأنه لم يستطع غواية الأنبياء، إنما إحنا هنغيظه 24 قيراط، لأننا هنغلط ونشبع في الغلط، من غير ما نتحاسب، فقد صدر مني فرمان بشطب كل المعاصي حتى أكبر الكبائر، فأنت ممكن تضرب أمك بالجزمة دون أن تحاسب، طالما دخلت الطريق".
ويستشهد "صلاح" بحكاية الدكتور إبراهيم الأستاذ بكلية العلوم، ويقول: "رغم إنه ابن كلب، يظهر غير ما يبطن، فهو فاسق عاهر، إلا أن رؤياه كانت دائما تدل على أنه من الموعودين المعصومين، فمهما اقترف من ذنوب، فهو من أهل البيت المعفي عنهم"، ويقول شعيشع: "إن في القرآن ذكره، وإنه بالقرآن بدأ عمره، وبصلاح يعيش عصره فاتبعوه، فأنه سيكون رحمة يوم لا شفيع لكم عنده إلا هو وحده".
ودائما ما كان صلاح يؤكد لأتباعه إنه أعلم بالغيب: "لا شيء محجب عني، إن بيدي قوة الله، فقوله (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) مقصود به أن القوة في يدي، يد الله هي يدي لا أستخدم فيها السيف ولا البندقية، فهي قوة ربانية".
ومن أكثر أحداث جلسات الساحة إثارة، تفسير الرؤى، وهي نوعان: رؤى الحاضرين التي رأوها في مناماتهم، ورؤى الأسياد، وتسمى "التنزيلات"، وهي تعاليم الجماعة، يقومون بتدوينها على "هوامش" المصحف، ويمزجون بينها وبين تلاوة الآيات، ومغفور للمريدين عدم حفظ القرآن، لكن غير مغفور لهم عدم حفظ التنزيلات!!.
أما أقوى "التنزيلات" وأشهرها بينهم، فهو "تنزيل نشوانا" ونشوانا هي طبيبة الأسنان "نشوى سعيد"، التي أخبرت "الشيخ" بأنها رأته في رؤيا نورانية، فأطلق عليها - مكافأة لها - لقب "أم المؤمنين".
ويشرح "الشيخ" لأتباعه - في إحدى الجلسات - كيف وصلت "نشوى" إلى ما وصلت إليه من منزلة لديه، وأصبحت صاحبة "التنزيل" الشهير، فيقول: "إنها لم تستخدم عقلها، وإنما استخدمت قلبها، فكانت رؤياها رحمانية حقيقية، واستحقت لقب ملكة، ثم كان تنزيلها الذي وجب على كل الأتباع حفظه"، جاء في "التنزيل":
"يقول حبيب الله (ص): لأن في قلب نشوانا عقيدة لا تنتهي ولا يمكن، ولأن حب نشوانا لنا هو اليقين، ولأن من خلق نشوانا لا نأخذ منه إلا ما هو ريحان وما هو ياسمين، ولأن نشوانا في عطائها لنا لا تبخل علينا، فإنا لنشوانا محبين، وإنا لنشوانا لمحافظين، وإنها - حقا - لأم المؤمنين وإمام للمحبين، وملكة على عرش قوي متين فوالله إنها لمن الصابرين، فوالله إنها لمن الصادقين، فوالله إنها لمن المتقين، فوالله لبشراي لها إنها ستكون - يومئذ - مع الصالحين، في أعلى عليين " صدق رسول الله ( ص، ع، س) ومعنى هذه الحروف - في آيات صلاح - صلى الله عليه وسلم!!.
أما أطرف رؤيا قصها الأتباع على الشيخ صلاح، فكانت هذه الرؤيا التي تفتقت عنها قريحة الشيخ عبد العزيز، قال: "رأيت حضرة النبي - في المنام - وهو حيران في مشكلة انتقال الشيخ صلاح إلى عالم الآخرة، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكر قليلا ثم أنزل ملكين ومعهم (كبش) يفتديان به الشيخ صلاح".
وجاء تفسير الشيخ صلاح لهذه الرؤيا أكثر طرافة، حيث أوجب على كل صعلوك وملك.. دفع جزء من هذه الفدية!!.
لقد كان شعيشع يفرض على مريديه أتاوات ينفق منها على زوجته ونفسه، وبعض الملوك والملكات المقربين إليه، ومن هذه الإتاوات كون ثروة هائلة، وبتفتيش شقته ليلة القبض عليه، عثر معه على شهادات إيداع قيمتها مليون دولار.
واستطاع أن يجذب إليه عددا كبيرا من الأتباع في بداية دعوته، وكان يركز في وصاياه لهم، على الإكثار من الحديث عن الرؤى والأحلام، مما جعلهم يتخيلون - أو يحلمون بالفعل - برؤى مع الشيخ نفسه، اعتقادا منهم أنه النبي محمد، كما كان يردد أمامهم، وقد اهتم شعيشع في معظم أحاديثه إليهم، بإثارة نقطة تهم كل إنسان، وهي غريزة الجنس، وبلغ به الحد أنه أباح هذه الغريزة، دون ضابط، وكان يقوم بتفسير رؤى أتباعه - التي غالبا ما تكون رؤى جنسية - بتفسيرات شائقة مثيرة، في مجلسه الغريب، الذي يجمع أسرا بأكملها، ومن سلوكه الشاذ، ما كان يطلق عليه (النفحات)، ويصفها بأنها (مقدسة)، وقد قسم هذه النفحات إلى نوعين: نفحات مالية عبارة عن تبرعات يحصلها من الأتباع ليكافئ بها من يرى من مريديه، ونفحات أخرى عبارة عن (قبلات محمدية مقدسة)، كما كان يسميها، يمنحها لكل من يدخل ساحته أو مجلسه، أو من يجيب عن تساؤل يصعب على الآخرين فهمه، المثير للدهشة، أن الأزواج كانوا يستبشرون خيرا بتقبيل الشيخ لزوجاتهم، وكانوا يعتبرون ذلك من علاقات البركة والمحبة، حتى لو بلغ حد (الجماع الجنسي)، وكانت الكثيرات من الزوجات يحكين - في زهو - لأزواجهن عن رؤى جمعت بينهن وبين "صلاح".. فيتفاءل الأزواج، معللين ذلك بأن زوجاتهن قريبات من حضرة النبي، وفي إحدى الجلسات، رفضت زوجة أن يقبلها شعيشع قبلاته المحمدية الثلاث والعشرين من شفتيها، فثارت ثائرته وطلب من زوجها أن يطلقها على الفور، لكن الزوج كان يحبها، وله منها أطفال، وحاول أن يثنيها عن رفضها رغبة الشيخ، فأصرت على الرفض، فطلب منها أن تعلن - كذبا - أنه طلقها، فرفضت أيضا، فما كان منه إلا أن طلقها، إرضاء لسيده الذي طردها من الجماعة، عقابا لها على عصيانه، ولما حاولت العودة إلى زوجها والالتحاق بالجماعة - مرة أخرى - والإذعان لرغبات صلاح أصدرت الساحة حكما عليها بأن تدفع غرامة للشيخ، مقدارها خمسمائة جنيه، نظير الموافقة على العودة، وفعلت!!
وهناك كان مولد النبي، وهو هنا ليس المقصود به مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو عيد ميلاد شعيشع حيث يبدأ الاحتفال منذ الصباح الباكر في التاسعة تماما، المنزل يغوص في الزينات والورود، وعلى صوت أم كلثوم يتم ترديد أغنيات المولد النبوي الشريف، أما الشيخ فلا يزال مضطجعا على سريره الوثير، داخل حجرته الخاصة، ويتوافد المريدون في أبهى الثياب، حاملين الهدايا مع أولادهم وزوجاتهم، الجميع يتسابقون إلى حيث يضطجع الشيخ، ليحظى السعداء منهم بأكبر عدد من (القبلات المحمدية)، فرحة شديدة تبدو على وجوه المريدين، حتى أن أحدهم - ويدعى الشيخ رشاد - راح يهلل صائحا كالأطفال: "يا حلاوتك يا جمالك، يا شيخ شعيشع"، وفي الثانية بعد الظهر يبدأ الاحتفال الرسمي"بالزغاريد والتصفيق وعبارات التهاني، وفجأة ينطلق الموسيقى مع وصلة رقص شرقي صميم من خلال السيدات تتقدمهن الزوجة الثانية للشيخ، ثم يجذبن عددا من الرجال ويطوقونهم بالأحزمة لكي يشاركوهن الرقص، تحية للشيخ وابتهاجا بعيد ميلاده، وبعد (الفاصل) يبدأ المريدون والمريدات في وصلة "الجيرك" وغيرها من الرقصات الغربية المجنونة، وما يصاحب ذلك من تأوهات وصرخات وحركات خليعة، تحت سمع وبصر نبيهم شعيشع.
والجدير بالذكر، إنه حتى أثناء التحقيق معهم بعد القبض عليهم كانوا يهتفون عندما يذكر اسمه: "صلى الله على صلاح".
وبعد الإطلاع والمشاهدة من قبل (لجنة الأزهر) أصدرت تقريرا يدين أفعال شعيشع ومريديه، لينضم التقرير لملف القضية.
رشاد خليفة
ولد رشاد خليفة في مدينة كفر الزيات بمحافظة الغربية في العام 1935، والده هو عبد الحكيم خليفة، وكان يعمل شيخا لإحدى الطرق الصوفية التي تُسمى "طريقة الرشاد الشاذلية".
عرف عن رشاد خليفة عصيانه الدائم لوالديه وعقوقه لهما، كذلك فقد عرف عنه سوء الأدب والأخلاق والكذب والتدليس، وتخرج في كلية زراعة عين شمس في العام 1957 بتقدير عام مقبول، وفى العام 1960، وبطريقة مريبة للغاية وبدعم من السي آي إيه حصل رشاد خليفة على منحة دراسية في الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته العليا – تقديره العام "مقبول"، لم يكن ليؤهله لتلك المنحة التي دائما ما يحصل عليها من يكون تقديرهم "امتياز" أو "جيد جدا"، ومكث رشاد أربع سنوات في أمريكا حتى حصل على درجة الدكتوراه في تخصص "الكيمياء الحيوية" من جامعة كاليفورنيا في العام 1964، وعن طريق السي آي إيه تم اختياره خبيرا للتنمية الصناعية في الأمم المتحدة، وظل رشاد خليفة في منصبه الأممي حتى العام 1971، بعدها بنت له المخابرات الأمريكية مسجدا في "توسان" بولاية "أريزونا" ليعمل إماما لهذا المسجد، الذي يهدف لاختراق الإسلام ونشر الفوضى بين المسلمين.
وخرج رشاد في العام 1976 بأكذوبة الرقيعة أطلق عليها "نظرية الرقم 19"، ليستخدم هذه النظرية الخاطئة لإشاعة الفاحشة بين المسلمين عن طريق الترويج لـ "جهنم بلا عذاب"، وذلك من خلال القول بأن عدد حروف البسلمة 19، والقرآن الكريم يقول عن جهنم "عليها تسعة عشر"، إذن، فلا عذاب في جهنم لأنها محاطة بالرحمة التي هي حروف البسملة، وهناك جهات أجنبية أنفقت على رشاد خليفة مليارات الدولارات، وادعى رشاد خليفة أن هناك آيتين زائدتين في سورة التوبة، وهما الآيتين الأخيرتين 128 و129، وأنه يجب حذفهما لأنهما لا يتماشيان مع أكذوبة "نظرية الرقم 19".
في نهاية العام 1986، اشتد المرض على الشيخ عبد الحكيم خليفة، وخاصة ما ألم به في عينيه، فنصحه الأطباء بالسفر إلى الخارج للعلاج، وسافر الشيخ إلى الولايات المتحدة حيث يقيم ابنه العاق رشاد، لعلاج عينيه من المرض، وذات يوم دار حوار ساخن بين الأب الشيخ والابن العاق، الشيخ يدفعه حنان الأبوة والخوف على ابنه من غضب الله، فأخذ ينصح ابنه بالكف عن ادعاءاته الكاذبة حول الرقم (19) وتصحيح معتقداته الخاطئة حول إنكار السنة الشريفة، وطلب الشيخ من رشاد أن يمنحه فرصة إلقاء خطبة الجمعة في مسجد "توسان"، لكن رشاد خاف مما سيقوله والده في الخطبة، وعلى الفور طلب الشيخ من ابنه العاق أن يحجز له مقعدا في أقرب طائرة ليعود إلى مصر، وقلبه يدمى من أفعال وسلوكيات ابنه العاق، المارق، منكر السنة، وقرب منتصف العام 1987 زار رشاد خليفة مصر، وذهب إلى والده في طنطا يطيب خاطره، وانتهز الشيخ الوالد هذه الفرصة ودار الحوار المعتاد بين الأب وابنه، حول نفس الموضوع، الشيخ يحدوه الأمل في رد صواب ابنه، فكان منفعلا، غيورا على دينه الإسلامي، ولكن نهاية الحوار – في هذه المرة – كانت دامية، فقد اعتدى الابن العاق، المارق رشاد، بالضرب المبرح على والده الشيخ المريض، فكسر له نظارته الطبية، وأحدث به وفى وجهه جروحا دامية، وفر هاربا إلى الولايات المتحدة، تاركا خلفه والده الشيخ المريض في حالة يرثى لها، وبعد أسبوعين فاضت روح الشيخ الجليل إلى باريها حزنا وكمدا.
في نهاية العام 1988 ادعى رشاد خليفة إنه رسول الله، وسرعان ما جاءه الرد الإلهي جراء ادعاءاته الكاذبة وقتله لوالده كمدًا، فقتل رشاد في العام 1990 بولاية "أريزونا" عن عمر ناهز الخامسة والخمسين.
الشيخة منال منَّاع:
اسمها الكامل منال وحيد مناع تبلغ من العمر 42 عاما، زعمت إن بيتها مسجد للصحابة الأولياء وإن عمها المدعو عمر حسانين الذي ادعى النبوة واعتقل ومات في السجن يؤدي مناسك الحج عن أتباعها بالنيابة، وبالتالي لا داعي لأن يحجوا، وإن سيدنا جبريل ومولانا الحسن والحسين وكلا من السيدة زينب والسيدة نفيسة وفاطمة الزهراء يتجلون لها بصحبة عمها عمر حسانين، بل وتضيف إن فاطمة الزهراء وزوجها سيدنا علي بن أبي طالب وإن سيدنا عزرائيل ملك الموت كان يتسامر مع عمها في منطقة المنيل بالقاهرة، وإن عمها عمر حسانين حصل على درجة من النبوة وعلم الغيب وإنه نجح في رفع الصلاة عن بعض أفراد جماعتها.
الشيخة منال كما ورد في ملفات التحقيق معها التي نشرتها الصحف المصرية تلقت تعليمها بالمدارس الفرنسية وتحمل شهادة في الحقوق، وكانت متزوجة من محام معروف ولديها خمس بنات من زوجها الأول والثاني أكبرهن ليلى التي تعمل راقصة، والمثير للانتباه هنا إن معظم الوعاظ وأدعياء النبوة في مصر لم يدرسوا الشريعة وإنما تخصصوا في موضوعات أخرى، ومنهم من لم يكمل تعليمه الابتدائي.
الشيخة منال بدأت بزنيس الدين في العام 1990 حين ادعت النبوة علنا عندما كانت مريضة وتبحث عن علاج من السحر حيث تعرفت على زعيم طريقة صوفية بمنطقة المنيل بالقاهرة يدعى عمر أمين حسانين الذي أصبحت تناديه بـ "عمي"، رغم أنها تزوجت منه، وقد توفي في العام 1993 بعد أن أمضى في قيادة طريقته الصوفية البيومية قرابة 35 عاما، ومن خلال استمرارها في حضور الجلسات التي كان يعقدها زعيم هذه الطريقة عصر كل يوم خميس اختارها عمر حسانين سكرتيرة للحضرة التي كان ينظمها لمريديه وبعد وفاته استطاعت منال الهيمنة على هؤلاء الأتباع وبدأت تروج لأفكار غريبة ومخيفة مثل حضور زعيم الطريقة المتوفى إليها علنا وإبلاغه لها بتعاليمه ورسائله لأتباعه ورؤيتها للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رأى العين، وتجليهم لها في صحبة زعيم طريقتها عمر حسانين، وبهذه الهلاوس استطاعت أن تحكم قبضتها على أتباع الطريقة، مما دفع زوجة عمر حسانين لطردها من منزلها بالمنيل عندما استمعت لأفكارها، ولكن منال كانت قد حققت أهدافها وسيطرت على عدد من رجال الأعمال الذين انخرطوا في هذه الطريقة من قبل وأصبحت شريكا لعدد منهم في شركاتهم وتوكيلاتهم التجارية.

وفي العام 1994 اشترت الشيخة منال شقة فاخرة في "برج اللؤلؤة" بشارع بورسعيد بمنطقة السيدة زينب بربع مليون جنيه، وقامت بتأسيسها على أحدث مستوى وزودتها بعدد من أجهزة الكمبيوتر ونظامين حديثين للإضاءة والسماعات الداخلية، كما قامت بتبطين الجدران الداخلية للشقة بمادة عازلة للصوت حتى لا تنتقل أصوات من بداخلها إلى خارج الشقة، وجعلتها مقرا لأتباعها الذين بدأت تلتقي بهم في هذا المقر الذي أطلقت عليه اسم (دار السلام العمرية) نسبة إلى زعيم جماعتها وزوجها السابق عمر حسانين، والغريب إن أعضاء جماعتها على درجة عالية من الثراء منهم بعض تجار الذهب ورجال الأعمال وأساتذة الجامعات والأطباء ووكلاء وزارات سابقون.
وظلت المدعوة منال طوال خمس سنوات تخصص يومي الخميس والجمعة لعقد ما يسمى بالمشاهدات لأتباعها الذين يحضرونها جميعا بلا استثناء حيث تروى لهم تعاليم ومطالب عمها عمر حسانين التي أبلغها لها عندما تجلى لها في غرفتها في حضرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة وأهل البيت كما تزعم، وفي كل رواية تتعالى صيحات وتهليل المريدين، وظل الحال هكذا حتى نجحت أجهزة الأمن المصرية في القبض على أعضاء هذه الجماعة، وضمت السلطات لأحراز القضية أشرطة لاجتماعات الشيخة منال مع أتباعها، وهي التسجيلات التي صادرتها النيابة العامة وقدمتها إلى المحكمة.
(المهدي المنتظر 2010) يظهر في الفيوم
والأنبياء المزيفون لا حصر لهم، ومازلنا نستيقظ على نبي جديد، آخر هؤلاء شاب اهتم به الإعلام ودشن له الحوارات، فقد شهدت قرية "الصبيحي الغربي" بمركز "يوسف الصديق" بالفيوم، ظهور شاب ثلاثيني حاصل على دبلوم تجارة يدعى إنه (المهدي المنتظر)، ويدعي إنه تعرف على المسيخ الدجال ولديه جيش من الملائكة، وإنه يعلم الكثير من الحقائق الخفية، والغريب أن أسرته مقتنعة بما يقول، وجميعهم ينتظرون نزول سيدنا عيسى لقتل المسيخ الدجال ونشر الإسلام في الأرض.
هو محمد عبد التواب رمضان، الذي يعمل مزارعًا، وأكد المهدي المزعوم للإعلام على إنه من ذرية الإمام على بن أبى طالب رضي الله عنه)، ويقول بأن ملاكًا جاءه وبشره بإنه المهدي المنتظر، وإنه خليفة الله في الأرض، وإن الفساد سيزول، وستتحرر أراضينا العربية المغتصبة ومنها القدس والعراق، وكانت ويضيف النبي المزيف إن الملاك كشف له أن المسيخ الدجال هو عمه، وأكد له أن العم المذكور من نسل فرعون.
واستشهد النبي المزيف بتوصيف الداعية محمود المصري للمهدى المنتظر، حيث أكد المصري من خلال إحدى خطبه أن المهدي له جبهة عريضة، متوسط القامة، أسود العينين، له أنف مدبب وطويل، ويتراوح عمره بين الثلاثين والأربعين، وأن اسمه محمد عبد الله، لذا يرى النبي المزيف أن تلك الأوصاف تنطبق عليه، ولا يرى اختلافًا في اسم الأب، فلا فرق بين عبد الله وعبد التواب على حد قوله.
والآن ينتظر النبي المزيف نزول سيدنا عيسى ليقضي على الفساد، و"على غير المسلمين وتحرير فلسطين والعراق"، "قريبًا جدًا".

أمريكا تخشى العفاريت





عفاريت الإنترنت:
أمريكا أقوى دولة في العالم تخاف من العفاريت


- عندما أرهبت العفاريت الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض
- الاستخبارات الأمريكية تبحث عن حقيقة (إبراهام لينكولن)
- قصة الأرواح التي طردت مصريًا من منزله بعد 50 يومًا من الحرائق


كنت قد دخلت في سيجال مع الزميل وليد الغمري رئيس التحرير، حول ما يعرف بـ (علم الباراسيكولوجي)، أو علم ما وراء الطبيعة، وتساءلنا هل الخوض في مثل هذه الموضوعات خلال (الملتقى الدولي الجديد) لا هدف منه سوى تسلية القاريء العزيز، وتقديم وجبة مثيرة وساخنة من الكتابة؟!، وفي النهاية قررنا أن نخوض التجربة بشكل علمي، فهو علم معروف على مستوى العالم، ولدينا الكثير من الظواهر التي تستحق بالفعل التعاطي معها، وارتأينا أيضًا إن مثل هذه الموضوعات ستفتح النوافذ، وترفع الجسور لنتلاقى معك، فكلنا نعمل من أجلك أنت، عزيزي قاريء صحيفتنا الغراء، فاسمحوا لي أن أسبح معكم خلال السطور التالية في عالم يكتنفه الغموض ولا يخلو من إثارة:
صدق أو لا تصدق، أمريكا أقوى دولة في العالم تخاف من العفاريت، هذا الكلام ليس على سبيل المزاح ولا حتى المبالغة، ففي العام 1998، وفي عصر الإنترنت والتنزه على سطح المريخ، وفي أكثر الدول تمسكًا بالعلم، وأكثرها تقدمًا، جرت تحقيقات أمنية رفيعة المستوى شارك فيها جهاز الأمن القومي لمعرفة حقيقة الأشباح التي تداهم البيت الأبيض، وقتها كان كلينتون هو رجل المكتب البيضاوي والمتربع على عرش العالم، ولكم يتضح هدف الأشباح التي ارتعب منها كلينتون، الذي كان مغرمًا بأشباح أكثر جمالاً وأنوثة على شاكلة مونيكا لونيسكي صاحبة الفضيحة التي لا تقل عن فضيحة وتر جيت!!.
وبغض النظر عن سخرية بعض الأمريكان – وقتها – من قصة عفاريت البيت الأبيض، وعما ذهب إليه البعض من إن قصة العفريت مفتعلة لإبعاد الناس عن قصة العفريت الأكبر كلينتون وعلاقته الغرامية في مقر الحكم!!.
وبعيدُا عن شبح البيت الأبيض، يقال أن العفريت انتشرت في أرجاء المعمورة، بدءًا من واشنطن وحتى جامعات لندن العريقة التي حظيت بشهرة كبيرة في صناعة العقول، وكم أفرزت من علماء أجلاء، ومنها جامعة أكسفورد الأشهر بين جامعات العالم المتقدم، ومرورًا عاصمة النور باريس، وكيف لا وهي المعروفة سلفًا ببلاد الجن والملائكة.
ومادام هذا هو واقع العفاريت التي عربدت في دول العالم المتقدم، فما حال دول العالم المتخلف الفقير؟!، بالطبع لم يتركها العفاريت وشأنهم، ولم تعطف عليهم رغم البؤس المرتسم على السحن التي تعاني العوز والمرض والحكومات، فعلى سبيل المثال كان لنا موعد مع العفاريت في قرية من قرانا المصرية ايسمها (سيد خميس)، ولا أعرف سر التسمية لكن ما أعرفه هو أن حرائقًا غامضة اشتعلت على مدار خمسين يومًا حولت بيت المواطن التعس المدعو السعيد يحيى إلى رماد، ففر هاربًا بحياته، تلك الحرائق أعزاها الأهالي من شهود العيان إلى العفاريت، ولم يستطع أحد تكذيب ادعاءات الأهالي بعد أن فشلت الجهات الأمنية في الوصول لأسباب غير ميتافيزيقية لتلك الحرائق البشعة واسعة المجال في قرية لا يستخدم أهلها أجهزة تكييف عملاقة ولا ماكينات تستدعي وجود أسلاك الضغط العالي المشهورة بالصواعق والحرائق!!، كما تأكد للأهالي أن العفاريت هم أبطال تلك الحرائق المتواصلة، والتي ظلت تحدث لثلاث مرات يوميًا على مدار خمسين يومًا بالفعل، خاصة عندما حكى لهم السعيد صاحب البيت إنه يعزو تلك الحرائق إلى ذبحه لقط أسود وجده يسرق طعام أولاده ذات ليلة، ولابد – وفقًا لاعتراف السعيد – أن هذا القط كان جنيًا ظهر له على هيئة قط.
والسؤال الذي أطرحه الآن: كيف يستقيم الحديث عن عفاريت في القرن الواحد والعشرين؟!، وهل هي مجرد خرافات بعيدة الغور في نفوس البشر من الإنس، والذين لابد لهم من وجود (القرين)، بغض الطرف عن قصة القرين على طريقة حسن حسني ومحمد هنيدي في مسرحية (حزمني يا)!!.
الأنس والجن
ونبدأ من الأسطورة الرائجة في معظم ثقافات الشعوب منذ آلاف السنين، فالسنون مرت ولا تزال الأجواء الميتافيزيقية تحيط بالكرة الأرضية، وتقول الأسطورة أن حواء وضعت الكثير من العيال في جنة عدن، وحسب الأسطورة أرادت حواء الاحتفاظ بأكثر عيالها جمالاً بعيدًا عن آدم، في مكان ما، تأتي إليه كلما طاب لها أن تستمتع بالنظر لعيالها، وذات مرة جاءت إليهم فلم تجدهم، وراحت تبكي حينما علمت أنهم تحولوا لعفاريت تحت الأرض عقابًا لها، وهنا تؤكد الأسطورة أن ثمة أخوة بين بني الجن وبني البشر!!.
وفي كتاب صيني يعود إلى ما قبل الميلاد بنحو 1700 سنة، ومعنون بـ (لا تخافوا الأشباح)، تأكيدات على أن العفاريت مخلوقات لا حول لها ولا قوة، ومحاولاتها لإخافة بني البشر محاولات يائسة لإثبات وجودها في العالم الذي خرجت منه عنوة، ويرى الكتاب إنه من الضروري أن يتعاطف الإنس مع الجن المغلوب على أمره!!.
وهناك شعوب تنظر للعفاريت نظرة أخرى، فلا وجود لمن يستطيع أن يواجه العفاريت مثلما فعل (المارد) الصيني الجبار قديمًا وحديثًا، فعلى الرغم من المثل الشعبي المصري (لا عفريت إلا بني آدم)، هذا المثل الذي يؤكد الأسطورة سالفة الذكر، نجد المصريين القدماء من أكثر شعوب العالم القديم مخافة من الأرواح الشريرة، فكانوا يتحاشونها بكل السبل، بدءًا من تعليق سنابل القمح على أبوب البيوت حتى لا تصيب الأرواح الشريرة سكانها، إلى وضع الأحجبة والتمائم مع الموتى في قبورهم، حتى لا تصيب الأرواح الشريرة الموتى بسوء خلال رحلة الموتى للعالم الآخر!!.
وفي ذات السياق اخترع الأمهريون القدماء (الزار)، المعروف في منطقة الشرق الأوسط بأسره، رغم اختلاف المسمى، منها (الطبوب) وغيرها، والغرض من الزار علاج من تلبستهم الأرواح الشريرة، وخاصة النسوة، حيث يدخل العفريت في جسد المرأة (المربوحة) أو (المسمومة) أو (الملبوسة)، حيث يسيطر العفريت على تلك المرأة، فيتم تلطيخ المرأة المسكونة بالدم، حتى ولو كان دم دجاجة تذبح تحت أقدام تلك المرأة، وتتصاعد دقات الدفوف والتمتمة والصياح والحركات التشنجية من كل الحضور في طقوس معروفة ومتوارثة سيما في مصر، وجدير بالذكر أن الصحافة بشكل شبه يومي تطالعنا بحوادث وكوارث أبطالها من العفاريت، ولا حكم للقانون والدستور على عفريت، إلا قاعدة (دستور يا اسيادنا)، و(ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم)، و(واللهم احفظنا)، وخلافه!!.
عندما يتفوق البشر
ويرتعب كافة البشر من العفاريت والجن والأرواح باستثناء الصينيين في كتابهم الذي ذكرته من قبل، ولدينا من المصادر الكثيرة التي أكدت تفوق البشر أحيانًا، ومن تلك المصادر القرآن الكريم، حيث نسب إلى بشر أعمالاً خارقة تعالت فيها الإرادة الإنسانية على القوى الميتافيزيقية الخفية والغامضة، ففي القرآن الكريم مثلاً نجد قصة سليمان الحكيم (عليه السلام) مع عرش بلقيس، عندما أراد سليمان الذي سخر الله تبارك وتعالى الجن ليشهد عرش ملكة اليمن، فطلب من الحضور في مجلسه، ومنهم الأنس والجن، أن يأتوه بالعرش، فقال له أحد الجن الحضور ما معناه إنه يستطيع الإتيان له بعرش بلقيس قبل أن يقوم من مجلسه، فيما أكد بشري ممن عندهم علم الكتاب لسليمان إنه يستطيع أن يفعلها خلال طرفة عين!!.
على أية حال، استمرت العلاقة بين البشر والعفاريت غامضة، فظهرت في آداب العالم على شكل روايات وملاحم أشهرها (حكايات كانتربري) التي كتبها القس الإنجليزي جيوفري تشوسر في القرن السادس عشر، ومعظمها دارت حول العفاريت ومواقفها مع البشر، وهي تشبه إلى حد كبير الحكايات التي جبل على سردها العالم القديم والحديث!!.
وتلك الحكايات تذكرنا بحكايات مصرية مثل حكاية (أبو رجل مسلوخة)، و(أمنا الغولة)، وسواهما من أماثيل التراث المصري الخصب الحافل بحكايات تبعث على الرعب مازالت تحكى للأطفال عن طريق الأمهات والجدات بحثًا عن الإثارة، والتلذذ بالغموض والبعد عن الواقع المعيش، أو حتى من أجل تخويف الصغار، وأرى أن تلك الحكايات لم تعد قادرة على تخويف الأطفال الذين يجلسون أمام التلفاز يشاهدون أفلام الرعب والمصارعة الحرة بتلذذ غريب يستحق الدراسة.
وعلى صعيد آخر، كانت هناك أعمال أدبية تستهدف السخرية من العفاريت، بالصرف النظر عن الأعمال العالمية التي أسبغت نوعًا من الاحترام على العفاريت والأشباح والأرواح الشريرة، مثلما فعل الكاتب الإنجليزي الأشهر وليم شكسبير في مسرحيته التي تعاطها العالم (هاملت)، حيث أخبرت الأرواح الأمير هاملت التعس بسر العلاقة الشائنة بين أمه وعمه وراح ضحيتها أبوه، تلك الوشاية من الأرواح التي دفعت الأحداث إلى حمَّامات الدم!!.
وفي (دون كيشوت) للإسباني ميجيل دي سرفانتس يحارب الفارس النبيل – المخبول – طواحين الهواء على إنها مردة وأرواح شريرة، ويركب بغلة عجفاء ضعيفة مستضعفة رافعًا سيفًا خشبيًا لا يختلف عن عود حطب يهش به راع على غنمه، في وجه تلك الأرواح التي تريد – حسب ظنه - الشر لبني الإنسان، ويفجر ميجيل دي سرفانتس في رائعته بركانًا من السخرية اللاذعة من أوهام البشر.
أما الفرنسي فولتير في كتابه (كانديد)، فكان ساخرًا للغاية، متطرقًا إلى لجوء محاكم التفتيش الكنسية لحرق الهراطقة ومنهم رجل جرؤ على أكل أمعاء دجاجة، في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة تحرم على أبنائها ذلك، كما أحرقت امرأة فقط لأنها (ملبوسة) بعفريت!!.
قوى من العالم الآخر
وهنا نأتي إلى نقطة بالغة الأهمية والخطورة في سيرة العفاريت على وجه الأرض، وعبر كل العصور، ومن ذلك قيام بعض الأشباح غير مألوفة مستهدفة إزعاج البشر، وبث الرعب في نفوسهم، وهو فيما يبدو نوع من الانتقام تقوم به ا؟لأرواح التي عوقبت بالنزول تحت الأرض، لكي تأخذ بثأرها ممن ينعمون بنور الشمس على سطح البسيطة، وربما تكون هذي الأرواح لقتلى ومغدورين جاءوا للانتقام من قاتليهم، وهي فكرة رائجة في أغلب الشعوب.
ويروي كتاب صدر تحت عنوان (قوى من العالم الآخر) ببريطانيا، للكاتب بريان لين، والكتاب يحكي قصة شبح إنجليزي مخيف يظهر للناس في منزل بعينه منذ العام 1675 وحتى اللحظة الراهنة، شبح يتمتع بطول العمر وربما كانت له عائلة تشاركه هذا المنزل الذي تتوارثه أجيالاً من تلك العائلة العفريتية، وهذا الشبح المسن والعتيق – حسب المؤلف – يظهر لرجل بريطاني يعرفه المقربون بالحكمة والعقل الراجح، رجل يرفض مثل هذه الخرافات، لذا فكان الجميع على ثقة من أن حكايات الرجل المرعبة عن العفريت مديد العمر الذي يظهر له ليس مجرد ادعاءات ولا طريقة للبحث عن الشهرة، خاصة وأنهم كانوا يرون بأنفسهم المنزل المعروف بـ (منزل الأجراس العتيقة) قطعة من جهنم، وعندما يهرعون لإطفائه لا يجدون أية آثار لحريق، ولا يجدون إلا صاحب البيت الذي يحكي لهم عن النار التي لفحته دون أن يراها كما ارتأوها هم من الخارج، فينصرف الناس مندهشين، وتوالت الأحداث الغريبة تتوالى على المنزل فاستشعر الرجل وأسرته باهتزازات عنيفة، وكم لفحته حرارة النيران المستترة، فضلاً عن أصوات النحيب في الساعات الأولى من الصباح، مختلطة بضحكات عبثية لمخلوقات معذبة، وحين أراد صاحب المنزل أن يضع حدًا لما يحدث يوميًا، ففكر ذات ليلة أنم يترك المنزل للأشباح ويفر بأسرته بعيدًا، وحين خلد الجميع للنوم ظل هو ساهرًا في تلك الليلة حتى ظهر له عفريت على هيئة نار، وطالبه العفريت بالاطمئنان، وأخبره إنه عفريت مظلوم وغلبان، ولن يتعرض له بسوء، فتغلب الرجل على خوفه، وسأل الشبح عما يريده، فأجابه الشبح بأنه قتل مذبوحًا في هذا المنزل في العام 1675، وأن روحه المعذبة مازالت هائمة ليتسنى له إرشاد شخص عن كنز دفنه في مكان ما قبل أنم يقتل، وتم العثور على الكنز في أحد شوارع بريطانيا بعد أن صرح الشبح لصاحب البيت بمكان الكنز، وهو عبارة عن كمية من العملات الأثرية الذهبية!!.
شبح ديانا الجميلة
وهناك أشباح عالمية، مثل شبح الأميرة المصروعة ديانا التي لاقت حتفها في العام 1997 بصحبة دودي الفايد، في حادثة قيل أن الاستخبارات البريطانية هي التي دبرته، أما عن قصة شبح الأميرة التي أطلقوا عليها في حياتها أميرة القلوب، فقد أوردت صحيفة (الأندبندنت) الأشهر بين صحف بريطانيا ذات المصداقية، أقوالاً لخمسة أشخاص أكدوا أنهم رأوا شبح الأميرة في رواق بقصر سان جيمس، وأضافوا إنها كانت تظهر على الجانب الأيمن للوحة عملاقة لطليقها الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا.
وفي واشنطن، وبالتحديد في عهد كلينتون كما أسلفت، ظهر شبح الرئيس الأسبق أبراهام لينكولن يتمشى منتشيًا في أحد الممررات مكررين بذلك ما سبق تأكيده من ظهوره في العام 1985، وكأنه يريد أن يحكم أمريكا من جديد.

الخميس، 15 أبريل 2010

تاريخ العوامات على نيل المحروسة

كان لدينا 500 عوامة على نيل المحروسة فقدنا منها 477
العوامات تشهد على حكايات لا تنتهي ولعبت دور البطل الرئيس في أغلبها

كان أديب نوبل من عشاق الحياة في العومات وعاش بعوامة 25 سنة وهجرها بعد حادثة غرق طفلة
تم اغتيال العوامات بقرار من رئيس الوزراء زكريا محي الدين لأنها كانت تؤرقه في ممارسة التجديف


أشهرها عوامة حكمت فهمي:
تاريخ العوامات على نيل المحروسة


العومات في تاريخ المحروسة شهدت بل شاركت في حكايات وأحداث لا نهاية لهما، ويصعب حصر تلك الوقائع والحروب الاجتماعية والسياسية والعاطفية واللوجستية التي دارت رحاها في عوامات، وعالم العوامات متخم بالكواليس والعلاقات الساخنة والمريبة، والعلاقات الطبيعية أيضا، حي لا تهدأ ولا يخلد مرتاديها للنوع أثناء تواجدهم فيها في أغلب الأحايين، ويظل النهر العظيم هو الحكيم الذي يتابع عن كثب ما يدور في العوامات وحولها، حيث تمتزج هناك المتناقضات بين الحب والكراهية، العمالة والمقاومة، الدعارة والعلاقات الشفيفة، المؤامرات والدفوعات، عالم يخلط بين التاريخ فيه التاريخ بالعلاقات الخاصة والعلاقات الاجتماعية، وتظل السياسة في كل الحالات وجبة شهية لأناس من المشاهير وأهل الحظوة، ولا يمكن أن نفض بكارة حكايات العوامات دون أن ذكر عوامة إخلاص حلمي، أو العوامة رقم 77، المأوى لأعداد من القطط التي تخص إخلاص في الوقت الراهن.
والعارفون بالعوامات يؤكدون أن العوامة رقم 20، والتي تقع في نهاية كوبري إمبابة الشهير الذي طالما ظهر في الأفلام المصرية، كانت ملكيتها تأول للعمدة الفنان صلاح السعدني، لكنه على الأرجح باعها منذ فترة ليست بعيدة.
والعوامات أسرار وخفايا وحكايات صغيرة مدهشة تستحق السرد، ومدعاة للتعاطي الدرامي والأدبي، حين يصبح المكان أحد الأبطال الرئيسيين في العمل الإبداعي.
ومن أشهر العومات بالطبع عوامة الراقصة اللبنانية بديعة مصابني التي تزوجت من فيلسوف الكوميديا الراحل عراقي الأصل مصري الهوى نجيب الريحاني، وكانت العوامة تصدر شرفاتها لفندق شيراتون القاهرة خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وكان العوامة لطبيعة عمل صاحبتها ونشاطها مرتعا للنجوم من الفنانين مثل المطرب ذائع الصيت محمد عبد المطلب، وتحية كاريوكا الراقصة والممثلة والناشطة السياسية الكبيرة، وسمراء السينما المصرية الراقصة سامية جمال، وصاحبة أكبر قدر من الجدل الأميرة آمال الأطرش المعروفة باسم أسمهان، وشقيقها الفنان الراحل فريد الأطرش، ولم يقتصر ارتياد عوامة مصابني على أهل الفن، فكانت مزارا دائما للساسة الكبار سيما من يعشقون التقرب للفن وأهله، ويقال أن عوامة مصابني شهدت تكوين حكومات، لذا كان الصحفيون يقتاتون الأخبار من عوامة مصابني، فهناك كان المحفز على الكلام بلا حرج في أقوى حالاته، فما أجمل الكلام بلا تحفظ، حين يكون الكبير في حالة ارتخاء وانتشاء وفضفضة.
أما الراقصة التي منحت لقب (ملكة العوامات) عن جدارة هي حكمت فهمي، التي كانت ترقص وتغني كل ليلة لجنود الاحتلال البريطاني في نادي الـ (كيت كات)، وما أحوجها بعد ليلة من الرقص والغناء بضمير للخلود بعوامتها التي تقبع على نيل الزمالك أرقى أحياء القاهرة العاشقة لليل والسهر والأضواء، ومن المعروف إن حكمت كانت جاسوسة تعمل في معية الجاسوس الألماني (يوهان إبلر)، حيث تساعدها ظروفها كراقصة تراقص جنود بريطانيا في الحصول على المعلومات من الجنرالات الإنجليز لتصب في النهاية عند الجنرال الألماني الأشهر (روميل) الذي كان يقاتل الإنجليز عند العلمين، فكانت حكمت فهمي تراقص كبار الضباط في الـ (كيت كات)، ثم تسحبهم مخمورين للعوامة، وتستدرجهم في الكلام لتتقصى المعلومات التي يثمنها الألمان غاليا، والطريف أن روميل وضباطه كانوا بالسذاجة غير المبررة، حيث صدقوا ولاء حكمت لهم، حتى لقبوها بجاسوسة روميل، وتحدثوا عن إخلاصها للجيش البريطاني الثامن في حربه ضد الألمان، هذه الثقة التي ساعدت حكمت في عملها حتى سقط الجاسوسان الألمانيان (يوهان إبلر)، و(هنريتش غيرد ساندستيت)، اللذان اطمأنا لحكمت وعوامتها التي اتخذوها محطة للاتصال بقيادة المخابرات الألمانية، وفي عوامة حكمت استعان الجاسوسان بالسادات عن طريق حكمت في صيانة وإصلاح وتطوير أجهزة الإرسال الموجودة بالعوامة، ولأن الجاسوسان اعتادا البحث عن فتيات الليل، انكشف أمرهما على يد عاهرة فرنسية هي (إيفيت عن إبلر)، فالجاسوس الأول وكان معروفا في مصر باسم (حسين جعفر) اصطادها وقضى ليلة معاها في مقابل 20 جنيها إسترلينيا، وكما كان كريما معها في المال كان كريما في الثرثرة، فلم تتردد العاهرة الفرنسية في إبلاغ الاستخبارات، وتم اعتقال الجاسوسين، ومعهما صاحبة العوامة حكمت فهمي، والسادات وزميله حسن عزت اللذين طردا من الجيش في 8 أكتوبر من العام 1942، وجرى ترحيلهما إلى سجن الأجانب ثم إلى معتقل قرب مدينة المنيا.
وكانت العوامات دوما مطمعا لمخرجي السينما، باعتبارها من أماكن التصوير العبقرية، والتي تعطي مساحة إضافية للدراما، حيث ثراء المكان وخصوصيته.
أديب نوبل الكبير نجيب محفوظ الذي كان من مريدي وعشاق العوامات، حيث أقام لفترة 25 عاما بعوامة حسين باشا دياب، أنجب خلالها كريمته الكبرى، وكتب أهم أعماله منها الرواية التي تدور أحداثها في عوامة (ثرثرة فوق النيل)، وحين استيقظ محفوظ على حادث غرق طفلة من عوامة هجر حياة العوامات نهائيا، وللعوامات حضور في بعض روايات محفوظ خاصة في الثلاثية.
ومن الطريف أن شاعرنا حافظ إبراهيم أطلقوا عليه "شاعر النيل" لأنه ولد بعوامة عوامة في العام 1872.
في النصف الثاني من القرن العشرين تعرضت العوامات إلى تعدٍ واضح، حين أصدر وزير الداخلية المصري (وقتها) زكريا محيي الدين قرارا بنقل جميع العوامات من الزمالك والعجوزة إلى منطقة إمبابة في العام 1966، وسبب القرار يعود لمصلحة زكريا، فقد كان البكباشي زكريا محيي الدين يمارس من عشاق رياضة التجديف في النيل، ويمارسها بشكل دوري نهاية كل أسبوع، وشعر زكريا أن العوامات تشغل مسطحا كبيرا من مياه النيل، لذا لم يتردد في إصدار القرار الذي أغضب المشاهير من عشاق العوامات والذين ارتبطوا بعوامات بعينها، وبالفعل تم نقل 65 عوامة من العجوزة إلى إمبابة، كما تم إعدام 37 عوامة أخرى تحمل ذكريات وحكايات لا تنتهي، وتفتقد المحروسة أد عوالمها، عالم العوامات، فبعد أن كان النيل يحتضن 500 عوامة، طالت يد البطش 477 عوامة، ولم يبق للذكرى سوى 23، منها 9 عوامات مرخصة فقط.
الفرمان الوزاري لم ينل استحسان الأثرياء والباشوات الذين رفضوا الانتقال إلى المنطقة التي اعتبروها شعبية، فاضطروا إلى بيع عواماتهم بمبالغ ضئيلة أو تركها لمصيرها القاتم، مثل عوامة المطرب فريد الأطرش التي كانت تتألف من طابقين على الطراز العربي، واعتبرت المكان المفضل له لمقابلة أصدقائه من الفنانين والفنانات، وعلى ظهرها لحن أجمل أغنياته خاصة أغنية "حبيب العمر". وقد توقع البعض أن تتحول هذه العوامة إلى متحف لكن ورثته لم يهتموا بصيانتها والحفاظ عليها بعد وفاته، حتى أنهم امتنعوا عن تسديد الرسوم المطلوبة عليها لأجهزة الدولة، فتحولت إلى كهف مهجور، مما اضطر شرطة المسطحات المائية إلى سحبها من الماء نهائيا وتفكيكها وبيعها خردة في العام 1982.
وامتلك الفنان محمد الكحلاوي في أربعينيات القرن الماضي عوامة اعتاد أن يسهر فيها مع جمع من الفنانين والصحفيين والأصدقاء، وفي بعض الأحيان كان ضيوفها من المغنين والراقصات، وكان ذلك قبل أن يصبح الكحلاوي "مداح النبي"، وفي عوامة الكحلاوي وسهراتها خرج مشروعا فيلميه "كابتن مصر" و"أحكام العرب".
وكانت العوامة رقم 75 ملكا للفنان نجيب الريحاني، لكنها غرقت بعد أن رفض الورثة إصلاحها، أما العوامة رقم 66 فكانت تملكها الفنانة منيرة المهدية، وقد اشتهرت هذه العوامة بأنها كانت مقصد كبار المسئولين ورؤساء الحكومات في عهود مضت، وقد قالت في تصريحات لها قبل وفاتها: "لو فكر صحفي أن يسترق السمع إلى صالوني في تلك الفترة لاستطاع معرفة أخبار البلد، ولكن أحدا لم يفكر يومها أن مجلس الوزراء ينعقد في عوامتي"، وتقول منيرة المهدية في مذكراتها إن رئيس الوزراء آنذاك حسين رشدي باشا - الذي شكل أربع وزارات متعاقبة بدءا من 5 أبريل في العام 1914 وانتهاء بتاريخ 19 مايو في العام 1919- كان يجتمع مع وزرائه في العوامة ويتخذون القرارات الخاصة بشئون البلاد، "وكان يقول لي رشدي باشا أنا لما باجي هنا بالي بيروق"، وقال لمنيرة المهدية "إنك تستطيعين الحصول على الاستقلال لمصر" بأغنية من أغنياتها، ويقال إنه على أنغام أغنية "يا حبيبي تعالى بالعجل" كان الوزراء والساسة يناقشون تطورات الوضع في مصر المحروسة، وبلغ عشق منيرة المهدية لعوامتها أنها في العام 1963 باعت فيلتها بمنطقة مصر الجديدة بمبلغ 6 آلاف جنيه، وسيارتها، وجاءت لتعيش في العوامة، لكنها تركت الماء وعادت إلى البر مرة أخرى بعد أن غرقت عوامة جيرانها.وقضى الملك فاروق سهرات صاخبة مع عشرات الحسناوات على ظهر إحدى العوامات، بل إن إسماعيل صدقي رئيس الوزراء الداهية الذي أبطل دستور العام 1923 وعرف بالسفاح، كانت له حكاية وهو في سن الأربعين مع العوامات، ففي العام 1915 قدم صدقي - وكان وقتها وزيرا للأوقاف - استقالته نتيجة فضيحة أخلاقية، حيث وصلت إلى الشرطة بلاغات تفيد بأن العوامات على النيل، وخاصة عوامة وزير الأوقاف يحدث بها ما يشين، فاقتحم رجال الشرطة العوامة ليجدوه في وضع مريب مع فتاة شابة كانت ابنة أحد زملائه الوزراء والتي انتحرت بالسم بعد إطلاق سراحها من القسم، ووصل الموضوع إلى السلطان حسين الذي استدعى صدقي وعنفه ليستقيل الأخير نتيجة هذه الفضيحة، وهنا يرن في آذاننا تعريف نجيب محفوظ للعوامات بأنها "الحبال والفناطيس والزرع والطعام والمرأة".
ولم تغب العوامة، والحال على ما نقول عن ذهن شاعر العامية المصرية أحمد فؤاد نجم إذ يقول في قصيدته "جيفارا مات" التي لحنها وغناها الشيخ إمام عيسى: "يا بتوع نضال آخر زمن فـ العوامات، ما رأيكم دام عزكم، جيفارا مات".
الأضواء المتلألئة من العوامات الرابضة على صفحة مياه النيل تتحدى الظلام المحيط بها، وتحكي عن قصص لا تنتهي ومغامرات تفوق حدود الخيال لأبطال هذا العالم الخاص، والملف الذي فتحته قصة سقوط ما أطلقت عليه أجهزة الأمن المصرية اسم التنظيم المتهم بازدراء الأديان، بعد مداهمة حفل لعدد من الشباب على ظهر العوامة "ناريمان كوين" - التي تملكها عارضة أزياء معتزلة – أكثر إثارة وغموضا مما اعتقده كثيرون، ففي هذه العوامة التي تستقر أمام فندق "ماريوت" في حي الزمالك ظهر في مايو العام 2000 شاب ألماني تصنفه مباحث الآداب على أنه واحد من تنظيم "عبدة الشيطان"، ثم جاء مايو العام 2001 ليشهد إعلان أجهزة الأمن أنها ضبطت تنظيما لمتهمين بالمثلية دأب أفراده على اللقاء في هذه العوامة كل يوم خميس، غير أنه جرى لاحقا تبرئة ساحة كثير من هؤلاء المتهمين.
عوامات النيل تتبع ثماني جهات مختلفة: إدارة الملاحة، الوحدة المحلية بالجيزة، إدارة حماية النيل، شرطة المسطحات المائية، وزارة الري، أملاك الدولة، الصرف الصحي، وزارة السياحة، وهكذا تفرق دمها بين القبائل.
يتعين أن نشير إلى أن هناك نوعين من العوامات: نوع ثابت لا يتحرك من مكانه، وهو عادة يكون من الخشب مكون من طابقين ومهيأ للسكن تماما، النوع الثاني من العوامات يحتوي على محرك ينتقل بها من مكان إلى مكان، وكان أصحاب مثل هذا النوع من العوامات يتجهون بها إلى الشواطئ خلال فصل الصيف خاصة مصيف رأس البر، وكان هذا النوع يعرف باسم "الدهبية"، العوامات التي كانت مسرح غناء شريفة فاضل وألحان فريد الأطرش ونكات نجيب الريحاني، طالتها الآن يد العشوائيات أو امتلكها خليجيون ومحاطة بالسرية والكتمان، في حين لجأ البعض إلى تأجيرها على طريقة البنسيون أو منحها لطالبي السهرات الخاصة بعيدا عن العيون الفضولية والمتطفلة، لتبدأ في تلك الليالي حكايات أخرى عن السرقة والشذوذ والقتل، هنا فقط يتذكر الجميع - من رجال الشرطة إلى عامة الناس - أن العوامات مازالت تطفو على سطح نهر النيل وترسو بكل ما تحمله من أسرار وحكايات مذهلة تتحدى الزمن، والشائعات أيضا.

الأربعاء، 7 أبريل 2010

السادات الموهوب







ممثل بارع وكاتب محترف:
السادات الموهوب


البعض لا يعرف أن الرئيس الراحل أنور السادات كان يمتلك موهبة كبيرة في التمثيل، التمثيل بمعناه الحقيقي الذي مارسه حتى في الحياة، فلعب السادات دورا مهما من مع الراقصة الأشهر سياسيا حكمت فهمي ضد الإنجليز لمصلحة الألمان، وبالفعل تمت محاكمته في أكتوبر من العام 1942، ويرجع ذلك لعلاقته بجاسوسين ألمانيين هما "إبلر" و"ساندي"، وبعدها طُرِدَ السادات من الجيش وسجن، إلى أن تمكن من الهرب والاختفاء، وعمل أثناء فترة الهروب الكبير في مهنٍ مختلفة، أعانه على أدائها موهبة التمثيل، فظهر حمَّالا وسائقا، وكان بارعا في أداء كل شخصية، متفننا في اختيار الملابس والإكسسوارات اللازمة، مبدعا لطريقة الحديث بلسان الشخصية التي يؤديها على مسرح الحياة أينما ذهب، ومهما كان الدور الذي يؤديه بعيدا عن شخصيته الحقيقية التي فطر عليها، ليلعب بعد ذلك دورا وطنيا في العام 1946، حين شارك في اغتيال أمين عثمان وزير المالية في الحكومة الوفدية، والذي كان يعد من أكبر المؤيدين للمستعمر البريطاني، فيصير السادات بعدها ملء السمع والبصر، سيما في الإعلام، وقضى في سجن القلعة 30 شهرا، نصفها اعتقل في الحبس الانفرادي بزنزانة تحمل الرقم 54، بعدها برأت المحكمة ساحته في العام 1948. وقد انتهز فرصة الاعتقال الطويلة في الاهتمام بميوله الأدبية، والكثير ممن اطلعوا على سيرته يعرفون إنه أحد الكتبة الكبار، كما له علاقة بالصحافة ثابتة وموثقة، وقليلون يعلمون أن موهبة السادات في التمثيل كانت هي الدافع والمعاون له في تقليد أصدقائه وقادته وبعض الفنانين الكبار، وقد منحه الله وفرة في خفة الظل، حتى إنه أصدر في المعتقل صحيفة تحت عنوان "الهنكرة والمنكرة"، الأكثر من ذلك إنه بمعاونة رفقائه كان قد أسس في المعتقل إذاعة – بدون بث – لها برامجها اليومية التي يعلن عنها تشمل عددا من البرامج المختلفة منها على سبيل المثال برنامج للأطفال – رغم عدم وجود أطفال في المعتقل بالطبع – باسم برنامج "بابا أنور"، وغيره من البرامج ذات الطابع الساخر التي ذكرها السادات نفسه في كتاب بعنوان "30 شهرا في السجن"، وبالفعل كان السادات شخصية ثرية متعددة الجوانب والمواهب، أهمها التمثيل والكتابة، فعمل صحفيا على دراية بأبجدية العمل الصحفي، فعمل على سبيل المثال بمجلات عدة، منها "الهلال" والمصور"، وخلالها واتته الفرصة لنشر تفاصيل فترة اعتقاله، وذكراياته في سجن القلعة، فضلا عن العديد من القصص القصيرة التي يجيدها ويعشقها، ثم عاد السادات إلى الخدمة العسكرية في 15 يناير من العام 1950 بتدخل من الملك شخصيا، وكان وقتها برتبة يوزباشي، قصة العودة للخدمة يرويها السادات في كتابه الأشهر "البحث عن الذات"، فيقول: بعد حريق القاهرة اتصلت بيوسف رشاد - صديق فاروق، ورئيس جهاز المعلومات بالسراي - ووجدته يأخذ كل ما أقوله أمرا مسلما، وإذن الطريق مفتوحٌ لتضليل الملك وتخديره، وكنت أقدم له معلومات خاطئة، وعندما يعرض علي منشورات الضباط الأحرار كنت أوهمه بأنها من خيال ضابط معروف بحب التظاهر، وعندما كانت تصل إليه بعض الحقائق كنت أعمل على تصويرها بأنها أكاذيب ومبالغات، وكنت أسعى للتعرف على أخبار الملك وخططه ونواياه، وعرفت بشعوره أنه لم يعد له مكان في مصر".
وانضم إلى تنظيم الضباط الأحرار، ومن فرط موهبته في التمثيل والتقمص لم ينته كما انتهى غيره من الأحرار حين التهمت الثورة أبناءها كالقطط.وكم حلم السادات في شبابه بأن يكون ممثلا، ولم يدر بخلد الشاب أنه سيكون بطلا على مسرح الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، وإنه سيصير بطلا عالميا يختار ضمن أعظم مائة في تاريخ البشرية، ولأنه كان موهوبا فكم ظهر عليما بطرائق التعامل مع الكاميرات، فكانت له أجمل الصور وأكثرها تعبيرية بين رؤساء مصر، وربما قبل أن يحكم مصر، وهو أيضا ملك في استخدام تعبيرات الوجه، في حين يخاطب الشعب ترتسم آيات الحب على وجهه، وحين يتوعد خصومه نرى الشراسة واضحة في عينيه وحركة فمه، سيما حين قال على سبيل المثال: "الديمقراطية لها أنياب"، ولأنه مؤمن بالفن، ويعرف أن الفن الجيد هو الفن الذي يلتزم فيه كل مشارك بدوره، فحين يضع السادات سيناريو ما ويفاجأ بمن يخرج عن الناس ويحاول العبث بمشهد ما، يستشاط السادات غضبا/ فهو يريد أن يسير السيناريو وفق ما رسمه هو، وأن تظل المشاهد على ترتيبه لها، ولا يقبل الخروج عن الحوار الذي يكتبه هو بالحرف، ومن تلك المشهد التي حاول البعض الخروج عن النص خلالها هذا المشهد الذي جمعه بالطالب عبد المنعم أبو الفتوح نائب رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة في واقعةٍ مشهورة حين صاح فيه: "إنني عودتك على الصراحة وليس على الوقاحة، ومشهد آخر جمعه بطالب إعلام حمدين صباحي الذي دخل على الخط أثناء حديث السادات إلى طلبة جامعة القاهرة، حيث أخذ حمدين يتغزل في عبد الناصر، وحكم عبد الناصر، وبطولة عبد الناصر، حتى اهتاج السادات، وظل يصرخ في وجه حمدين: "عيب"، عيب".
السادات الموهوب في التمثيل والكتابة هو من وقف أمام مجلس الأمة يستجمع طاقاته الإبداعية وحنكته السياسية ودهاءه الشخصي، فور توليه الرئاسة، وقال: "لقد جئت إليكم على طريق عبد الناصر وأعتبر ترشيحكم لي بتولي رئاسة الجمهورية، هو توجيه بالسير على طريق عبد الناصر، وإذا أدت جماهير شعبنا رأيها في الاستفتاء العام – بنعم - فإنني سوف أعتبر ذلك أمرا بالسير على طريق جمال عبد الناصر، الذي أعلن أمامكم بشرف، أنني سأواصل السير فيه على أية حال، ومن أي موقع"، وفي موضع آخر من الحديث يقول: "لقد وضعت لتفكيري كله قاعدةً واحدة، هي أن أبدأ كل تصرفٍ بسؤال محدد هو: ماذا كان يطلب منا لو أنه كان م زال بيننا؟، وكنت على ضوء معرفتي به، رفقة ثلاثين سنة، وزمالة نضال ومعركة وراء معركة، وفهم صديقٍ لصديق"، وفي أول خطاب له بعد انتخابه رئيسا، قال: "لقد تلقيت أمركم وادعوا الله أن يكون أدائي للمهمة التي كلفتموني بها على نحو يرضاه شعبنا، وترضاه أمتنا، ويرضاه المثل الأعلى الذي وضعه القائد الخالد عبد الناصر، وأعطاه كل شيء من الحياة إلى الموت".
والسينما كانت ركيزة في حياة السادات، فكان في كل بيت من بيوته قاعة عرض، ويقال أن قوائم عروض السينما كانت تأتيه بشكل دوري، وإنه كان يشاهد الأفلام حتى قبل عرضها على الرقابة، والمعروف أن السادات هو صاحب فكرة عيد الفن التي ماتت برحيله، وداوم على تكريم عددا من الممثلين سنويا، في مهرجان كبيرة ينقله التليفزيون.
الحلة العسكرية التي كان يرتديها السادات، والتي تصممها أرقى بيوت ا؟لأزياء الإنجليزية المتخصصة في هذا النوع من الملابس، والعصا الماريشالية المصنوعة من الذهب التي كان يتأبطها السادات، والبايب الكلاسيكي الضخم، كلها أردية والإكسسوارات تشي بأن صاحبها فنان ومبدع كبير، فظلا عن قوامه الممشوق، ولذا تم اختياره ضمن أكثر الناس أناقة في العالم.